لماذا أوجعت معركة باب المندب أطرافاً إقليمية ودولية؟ لأن الحوثي لم يكن وحده في المشهد!

لماذا أوجعت معركة باب المندب أطرافاً إقليمية ودولية؟ لأن الحوثي لم يكن وحده في المشهد!
أشخاص يرقصون على متن السفينة التجارية جالاكسي ليدر التي استولى عليها الحوثيون الشهر الماضي قبالة ساحل السليف في اليمن يوم الخامس من ديسمبر كانون الأول 2023. تصوير: خالد عبد الله – رويترز.

لم تكن معركة باب المندب مجرد مواجهة عسكرية مع جماعة الحوثي، بل كانت مواجهة مع مشروع أراد تحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى ورقة ابتزاز سياسي وعسكري.

من يعتقد أن ما جرى في باب المندب مجرد معركة على بضعة كيلومترات من الساحل اليمني، فهو لا يدرك خطورة ما كان يُرسم للمنطقة.

في التاسع من أكتوبر 2026، أعلن السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر تطهير باب المندب من بقايا الحوثيين، بعد تقدم القوات اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية. ورغم استمرار المعارك والخلاف حول حجم السيطرة الميدانية، فإن الرسالة السياسية والعسكرية كانت واضحة: لا يمكن السماح بتحويل المضيق إلى سلاح دائم في يد جماعة مسلحة.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بغضب: من المستفيد من بقاء باب المندب تحت تهديد الحوثيين؟

إيران أولاً.. من يدفع ثمن مشروع النفوذ؟

لنكن واضحين: الحوثي ليس مجرد جماعة محلية تحمل السلاح داخل اليمن. ارتباطه بإيران ودعمها العسكري له جعلا منه جزءاً من معادلة إقليمية أكبر.

تخيّلوا حجم الكارثة عندما يصبح مضيق هرمز مهدداً من جهة، وباب المندب مهدداً من جهة أخرى. من الذي يدفع الثمن؟ المواطن العربي، والاقتصاد الإقليمي، والسفن التجارية، وأسواق الطاقة.

من منح جماعة مسلحة الحق في تهديد الملاحة الدولية؟ ومن أعطاها الحق في استخدام اليمن ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية؟

اليمن ليس ملكاً لإيران، وباب المندب ليس ورقة تفاوض في جيب الحرس الثوري.

الصين وروسيا.. مصالح دولية وحسابات سياسية

من السذاجة الاعتقاد أن معركة بهذا الحجم لا تمس مصالح قوى دولية كبرى.

فالصين أجرت اتصالات مع الحوثيين لضمان عبور ناقلاتها، وفق تقارير رويترز، بينما أبدت الصين وروسيا تحفظات على بعض التحركات الدولية المرتبطة بأزمة البحر الأحمر.

لكن علينا التمييز بين حماية المصالح الاقتصادية، والمواقف الدبلوماسية، والمشاركة في دعم الحوثيين عسكرياً.

السؤال المشروع هنا: لماذا تقبل بعض القوى الدولية أن تضطر السفن إلى التفاوض مع جماعة مسلحة من أجل المرور في ممر بحري دولي؟

الأمن البحري لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز تمنحه المليشيات لمن تشاء وتمنعه عمن تشاء.

عُمان.. الوساطة لا تعني الوقوف في صف الحوثيين

أما سلطنة عُمان، فلها دور دبلوماسي معروف في الملف اليمني، وقد أعلنت إدانتها لاستهداف المطارات السعودية وتضامنها مع المملكة.

ومن غير المنصف وضعها في خانة المواجهة العسكرية من دون دليل.

لكن هذا لا يمنع طرح سؤال سياسي مهم: هل تستطيع الوساطات وحدها إنهاء خطر جماعة تواصل إطلاق الصواريخ وتهديد الممرات البحرية؟

لقد أثبتت السنوات الماضية أن أي مسار دبلوماسي لا يضمن وقف الهجمات وحماية المدنيين والملاحة سيبقى هشاً، مهما كثرت البيانات والوعود.

من لبنان إلى العراق.. المشكلة في السلاح العابر للحدود

لا يمكن تجاهل شبكة الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في المنطقة، ولا استخدام ساحات عربية متعددة لتعزيز النفوذ الإقليمي.

لكن المعركة ليست ضد الشيعة في لبنان أو العراق أو اليمن، بل ضد الجماعات المسلحة التي تجعل قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.

لا يحق لأي فصيل مسلح أن يختطف قرار شعب كامل، ثم يطالب الآخرين بدفع ثمن مغامراته.

ما ذنب اليمنيين الذين يعيشون سنوات من الحرب والجوع والنزوح؟ وما ذنب المدنيين الذين تحولت مدنهم ومطاراتهم ومنشآتهم إلى أهداف للصواريخ؟

باب المندب كشف حقيقة المشروع

الذين أرادوا تحويل المضيق إلى أداة ضغط على السعودية والتجارة العالمية تلقوا رسالة مفادها أن السيطرة العسكرية ليست أمراً واقعاً لا يمكن تغييره.

لكن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بإعلان عسكري وحده. يُقاس بالقدرة على تأمين المضيق، ومنع عودة التهديد، وحماية المدنيين، وإعادة مؤسسات الدولة اليمنية.

لقد سئمنا من تحويل الشعارات السياسية إلى مبرر لتدمير الدول العربية.

سئمنا من جماعات تتحدث عن السيادة وهي تصادر قرار الدولة، وتتحدث عن الكرامة بينما يدفع المواطن البسيط ثمن صواريخها وحروبها.

باب المندب ليس ملكاً للحوثي، واليمن ليس ساحة مفتوحة لمشاريع إيران، والبحر الأحمر ليس رهينة بيد أي مليشيا.

ومن كان يحلم بفرض مشروعه على المنطقة عبر تهديد الملاحة الدولية، فعليه أن يفهم أن هذا المشروع قابل للكسر، وأن السلاح لا يمنح صاحبه حقاً دائماً في السيطرة.

والأهم من كل ذلك: لا ينبغي أن تتحول هذه المعركة إلى حرب مذهبية أو انتقام من المدنيين، بل إلى خطوة نحو إنهاء سلطة السلاح خارج الدولة.

السؤال الأخير: هل تكون استعادة باب المندب بداية تفكيك قدرة الحوثيين على ابتزاز المنطقة، أم أن العالم سيكتفي بإدارة الأزمة حتى تعود من جديد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *